صديق الحسيني القنوجي البخاري

329

فتح البيان في مقاصد القرآن

وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا [ الفرقان : 25 ] وقيل معنى فتحت قطعت فصارت قطعا كالأبواب ، وقيل أبوابها طرقها ، وقيل تنحل وتتناثر حتى تصير فيها أبواب وطرق ، وقيل إن لكل عبد بابين في السماء باب لرزقه وباب لعمله ، فإذا قامت القيامة انفتحت الأبواب . وظاهر قوله : فَكانَتْ أَبْواباً أنها صارت كلها أبوابا ، وليس المراد ذلك بل المراد أنها صارت ذات أبواب كثيرة . [ سورة النبأ ( 78 ) : الآيات 20 إلى 30 ] وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً ( 20 ) إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً ( 21 ) لِلطَّاغِينَ مَآباً ( 22 ) لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً ( 23 ) لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً ( 24 ) إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً ( 25 ) جَزاءً وِفاقاً ( 26 ) إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً ( 27 ) وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً ( 28 ) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً ( 29 ) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذاباً ( 30 ) وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ عن أماكنها في الهواء كالهباء الذي هو الغبار وقلعت عن مقارها ، وقيل معنى سيرت أنها نسفت من أصولها ، ومثل هذا قوله : وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ [ النمل : 88 ] فَكانَتْ سَراباً أي هباء منبثا يظن الناظر أنها سراب ، وتخيل الشمس أنها ماء ، والمعنى أن الجبال صارت كلا شيء كما أن السراب يظن الناظر أنه ماء وليس بماء . ذكر سبحانه أحوال الجبال بوجوه مختلفة ، ويمكن الجمع بينها بأن نقول أول أحوالها الاندكاك وهو قوله : وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً [ الحاقة : 14 ] وثاني أحوالها أن تصير كالعهن المنفوش كما في قوله : وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ [ القارعة : 5 ] وثالث أحوالها أن تصير كالهباء وهو قوله : وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا [ الواقعة : 5 ، 6 ] ورابع أحوالها أن تنسف وتحملها الرياح كما في قوله : وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ [ النمل : 88 ] وخامس أحوالها أن تصير سرابا أي لا شيء كما في هذه الآية . ثم شرع سبحانه في تفصيل أحكام الفصل فقال : إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً قال الأزهري المرصاد المكان الذي يرصد الراصد فيه العدو ، وقال المبرد مرصادا يرصدون به أي هو معد لهم يرصد به خزنتها الكفار ، قال الحسن إن على الباب رصدا لا يدخل أحد الجنة حتى يجتاز عليهم ، فمن جاء بجواز جاز ومن لم يجئ حبس وقال مقاتل محبسا ، وقيل طريقا وممرا . قال في الصحاح : الراصد للشيء الراقب له ، يقال رصده يرصده رصدا والرصد الترقب ، والمرصد موضع الرصد ، قال الأصمعي رصدته أرصده ترقبته .